محمد بيومي مهران
146
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
اللحم المشوي كل يوم ، وثوبا من الكتان النظيف مرتين كل شهر » « 1 » ، وفي الواقع أنه لو كان ما يقوله « سيتي » صحيحا ، لكان عماله يعيشون في مستوى يقارب مستوى العمال في العصر الحديث ، وفي أكثر البلاد تقدما ، فإذا أضفنا إلى ذلك أن « سيتي الأول » هذا ، أو ابنه رعمسيس الثاني ، هما اللذان تدور حولهما روايات التوراة عن السخرة ، وبناء مدينتي « فيثوم ورعمسيس » ، لتبين لنا مدى ما في رواية التوراة من مجافاة للحقيقة . ولعلنا نستخلص الدليل على حسن معاملة الفراعين للعمال من بني إسرائيل من توراة بني إسرائيل نفسها ، ذلك أننا نقرأ في سفر الخروج أن الإسرائيليين قد ثاروا على موسى ، ولما يمضي شهر ونصف الشهر على خروجهم من مصر ، بعد أن أفقدهم موسى حياة الرخاء في مصر ، وجاء بهم إلى البرية « 2 » ، ثم سرعان ما تمضي فترة فتعود الثورة ويشتد الحنين إلى مصر ، ومن ثم نقرأ في سفر العدد : « فعاد بنو إسرائيل أيضا ، وبكوا وقالوا من يطعمنا لحما ، قد تذكرنا السمك الذي كنا نأكله في مصر مجانا ، والقثاء والبطيخ والكرات والبصل والثوم « 3 » ، بل إن التوراة في سفر الخروج إنما تؤكد أن الإسرائيليين إنما كانوا يعارضون في الخروج من مصر منذ بادئ الأمر ، تقول التوراة - على لسان الإسرائيليين - « ما ذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر ، أليس هذا هو الكلام الذي كلمناك به في مصر قائلين : كف عنا فنخدم المصريين » « 4 » . وهكذا يبدو لي أن الأمر لم يكن بالصورة التي قدمتها التوراة ، وأن
--> ( 1 ) J . H . Breasted , Ancient Records of Egypt , IV , Chicago , 414 . p ، 1907 . ( 2 ) خروج 16 : 2 . ( 3 ) عدد 11 : 4 - 6 . ( 4 ) خروج : 14 : 11 - 122 .